أكتب هذا الموضوع من رحم الهاشتاج الذى إنتشر مؤخرا على موقع "تويتر" بعنوان "لماذا أكره الإخوان" أو #whyhateikhwan
إلا أن الحقيقة أننى أريد توسيع نطاق "الكراهية" وتحديد الكلمات بعناية لأننا تعودنا من المناصرين للتشدد الدينى التمسك بالمعنى الحرفى للكلمات هروبا من مواجهة الواقع فتجد أنك إذا إنتقدت "السلفيين" قالوا لك : السلفية هى إتباع السلف الصالح وكلنا نتمنى أن نكون "سلفيين" وإذا تكلمت عن "الجماعة السلفية" نهروك وقالو لك أن لا وجود للجماعة السلفية بل هى "الدعوة السلفية" وإذا هاجمت "الإخوان المسلمين" قالوا لك أنهم الفصيل الأقل تشددا من بين الفصائل الدينية ، لذلك أفضل دائما إستعمال لفظ "الراديكالية الدينية" أو "التشدد الدينى" فهى من ناحية تخصص الهجوم على "الراديكالية" أو التشدد ، وهو ما لايستطيع أحد "مقاوحتك" بخصوصه ، والثانى أنها تعمم التضاد ليشمل التشدد الدينى عموما وليس الإسلامى فقط ، وإن كان واقع الأمر فى مصر يجعل لكلمة "التشدد الدينى" إنطباعا يُفهم على أن المقصود منه هو الإخوان المسلمين أو السلفيين ، مما يوقع مهاجمينك فى نفس الفخ اللغوى الذين يحاولون إيقاعك فيه طوال الوقت .
لماذا أكره التشدد الدينى ؟ هناك ألف سبب وسبب يدعونى لكراهية التشدد الدينى ، سأكتفى بذكر بعض منها وأترك لك ذكر أسبابك الخاصة بعد ذلك .
1- لأنهم لا يتقبلون الأخر
المتشدد دينيا لا يقبل "الأخر" بأى حال من الأحوال ، ويختلف مدى "عدم التقبل" من متشدد لأخر ، فبينما يتوقف الأمر عند مجرد "الإمتعاض" وإبداء الضيق من هذا "الأخر" أينما ومتى تم ذكره ، وتنتهى إلى تكفير الأخر وإباحة دمه ومصادرة حقه فى الحياة ، مرورا بالسب والقذف ومصادرة حق الاخر فى عرض فكرته أو ممارسة حريته بأى حال من الأحوال .
ويختلف "الأخر" بإختلاف الموقف ، فقد يكون الأخر مفكرا أو صاحب قلم مثل الكاتب والمفكر فرج فوده ، الذى صادرت الجماعات الراديكاليه حقه فى الحياة وتم إغتياله فى 8 يونيو 1992
وقد لا يتمثل "الأخر" فى صورة شخص بل قد يكون الأخر كتابا كرواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ حيث تم منعها من النشر "رسميا" فى مصر لتطبعها لبنان عام 1962 وتم تسريب نسخها الى القاهرة بشكل غير رسمى حتم تم السماح بطباعة الرواية قريبا .
هذه مجرد أمثله لما قد يصل اليه التفكير الدينى المتشدد فى عدم الإعتراف بالأخر وبذل الجهد لمنعه من عرض أفكاره والتشويش عليها وتشويهه معنويا أو حتى تصفيته جسديا إذا لزم الأمر ، يمكنك ببعض البحث والتقصى معرفة العديد من الوقائع الأخرى التى تتشابه مع ما ذكرته أو حتى تتفوق عليه من حيث الغلظة التى يتعامل بها أتباع التيارات الدينية المتشددة .
2 – لأنهم ينتهجون النصب بإسم الدين
والمقصود بالنصب : هو الإستحواذ على أمور مادية ، أو تحقيق مكاسب معنوية بغير حق ، والمقصود بالدين : هو مجموعة الأوامر والنواهى السماوية التى يحاسب الله –والله فقط- على الإلتزام أو عدم الإلتزام بها .
ويستعمل المتشددين دينيا التعاليم الدينية السماوية لفرض وصايتهم على الناس والمجتمعات ، مع إستغلال تفشى الفقر والجهل فى شريحة كبيرة من أبناء المجتمع مما يجعل ميل هؤلاء الأفراد للجماعات المتشددة دينيا ميلا يخلط بين الجماعة المتشددة والدين السمح ، ويمزج بين حب الدين وحب الأفراد والجماعات الذين يقدمون أنفسهم على أنهم أوصياء على هذا الدين على الأرض بغير حق .
ويتجلى مفهوم النصب بإسم الدين فى الإعلانات الضالة التى تعرضها القنوات الفضائية لمن يلقبون أنفسهم بالشيوخ ، ويعرضون فك الأعمال وتلاوة الرقى الشرعية وحل مشكلات العنوسة ، فهذا مثال واضح على الخلط بين مشكلات المجتمع من تأخر الزواج والعمل وغيرها من المشكلات ، وبين عالم الخرافة والجن والأشباح والأعمال السفلية .
كما إستطاع بعض الصحفيين مؤخرا نصب كمين صحفى لشيخ كبير تقاضى مبالغ مادية من أحد الصحفيات المتنكرات بدعوى رقيتها شرعيا لحل المشكلات التى تصادفها ، وتبجح الشيخ أمام المحكمة وأكد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقوم بعمل الرقية الشرعية ، وهو خلط ضخم بين الدين وثوابته – ورسوله – وبين الشيخ الذى أراد تحصيل فوائد مادية من وراء هذا الخلط .
وتجلى هذا الخلط بأقوى صوره فى عصور الظلام الأوروبية عندما قام رجال الدين المسيحى فى أوروبا ببيع الجنة على المسيحيين الطيبين الذين أرادوا دخول الجنة دون عناء ، وظل إسلوب "صكوك الغفران" متبعا حتى قيام الثورة الفرنسية التى كانت فى جانب كبير منها ثورة على التشدد الدينى والنصب بإسم الدين .
3- لأنهم يعطلون العقل ويقدسون الفرد
قد تختلف الجماعات المتشددة دينيا فى الكثير من الظواهر الخارجية ، إلا أن جميعها تشترك فى الجوهر الأساسى ، ويتمثل هذا الجوهر فى ضرورة تعطيل عضو الجماعة لحاسة التفكير لديه ، وتسليم تفكيره بالكامل لمن هم أعلى منه مرتبة فى تنظيم الجماعة .
تحدث إلى يوما أحد الخارجين من أحد أكثر الجماعات الراديكالية إنتشارا فى مصر حديثا من القلب فقال لى أن الجماعة الدينية ماهى إلا تنظيم حزبى سياسى ذو مرجعية دينية ينطبق عليه ما ينطبق على أى جماعة سرية أخرى ، ينضم فيها العضو المبتدىء تحت لواء ما يسمى بالاسرة ، وهى أصغر أشكال الجماعة تنظيما ، ويتراوح عدد أعضاءها من ثلاث أشخاص إلى 20 بحد أقصى ، ويكون المسئول عنهم شخصا واحدا هو أمير الأسرة ، ويكون مسئول عن متابعة أبسط التفاصيل الشخصية لعضو الأسرة مثل عدم حلاقته لذقنة أو إنتظامه فى العبادات الدينية ، وبناء على التقرير الدورى الذى يرفعه الأمير يتم ترقية العضو أو إستثناؤة تماما من الجماعة على حسب درجة إلتزامه .
وهذا الإنضباط وإن كان محمودا بشكل مبدئى ، إلا أنه يتحول مع الوقت لإلغاء الهوية الشخصية لعضو الجماعة ، وطمس إختلافه الشخصى وهويته الشخصية التى تعبر عنه ، ويتحول فيه الشخص من كائن حى له أسم وصفات وهوايات تختلف من شخص لأخر إلى عضو جماعة مطموس الهوية ، منساق العقل والكيان لنظام معين يملى عليه أبسط تفاصيل حياته مما يقتل حاسة العقل والإبداع والفن بداخلة ، ويدفعه لتقديس الاشخاص والسعى طوال الوقت لنيل رضا قادته والقائمين على متابعته . وتقديس مصلحة الجماعة على المصلحة العامة
4- لأنهم يحطون من قدر المرأة
وهى من المتشابهات الأخرى بين كل الجماعات الدينية المتشددة ، فكما أقام رجال الدين المسيحى فى عصور الظلام الأوروبية المحاكمات للنساء بتهم السحر والهرطقة ، وكان يتم إلقاء النساء فى الماء مربوطة الايدى والأقدام ، فمن تطفو منهن فهى ساحرة ومن لا تطفو فهى بريئة ، وما الفارق إذا كان الموت هو المصير النهائى فى كل الأحوال ؟
واليوم تستمر محاكم التفتيش على يد المتشددين دينيا فى مجتمعاتنا ، وإن إتخذت شكلا أقل دموية لكن أكثر إيلاما ! وهو التقليل من قيمة المرأة فى المجتمع ، والتعامل معاها كأداة للجنس وإفراغ الطاقة الجنسية وتربية الأطفال فحسب ، وقد إنتشر على الإنترنت شريط صوتى لأحد أكبر مشايخ واحدة من أكثر الفصائل الدينية تطرفا فى مصر بعنوان "لست حرة" ، ينتقص فيه "الشيخ" من قيمة المرأة ويتهكم على حرية المرأة ، ويحرم فيه "الشيخ" تبسم المرأة فى وجه الغرباء ، وخروجها عليهم بدون سبب قهرى ، ويلعن عمل النساء ونزولهن الشوارع ، وعدم إلتزامهن بإرتداء النقاب .
وكان من أحد "شيوخ" التطرف الدينى فى واحدة من أكثر الدول إستمالة للتيار الدينى الراديكالى أن إنتقد النقاب الذى ترتديه النساء ، ودعا لضرورة إرتداء النقاب السليم – من وجهة نظره – وهو نقاب بفتحة واحدة للعين دون الأخرى ، درئا للفتنة وجلبا للفائدة !
ويتخذ التقليل من قيمة المرأة العديد من الأشكال المستترة والعلنية ، بداية من إطلاق أسماء لها طابع الإهانة على النساء كـ"حريم" و "نسوان" ، ونهاية بالتطويع الخاطىء لتعاليم الدين السمحة وإستغلالها لإهانة المرأة وهدر حقوقها المجتمعية فى النزول للعمل وممارسة الأنشطة وحتى الحقوق الطبيعية كالدفاع عن عادة "الختان" الذميمة والإدعاء بأنها من الضرورات التى يقرها الدين , وغيرها من الأمور
5- لأنهم منافقين
وأية النفاق فى الحديث الشريف ثلاث :
أ - إذا حدث كذب :
وللجماعات الدينية المتشددة العديد من وقائع الكذب فى الحديث ، ويكشفها دائما زلات اللسان وحالات الصراحة المفاجئة – والنادرة – التى تنتاب بعض قيادات هذه الجماعات ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر وصف أحد "شيوخ" هذه الجماعات للإستفتاء على تعديل مواد الدستور أو إستفتاء "نعم ولا" الشهير فى مصر ، حيث وصفه بأنه كان "غزوة للصناديق" وأن المؤمنين هم من قالوا "نعم" والكافرين هم من قالو "لا" . هذا الخلط الساذج بين السياسة والدين يصب فى المرتبة الأولى فى مصلحة الجماعات الراديكالية .
ب- إذا وعد أخلف :
وللجماعات الدينية المتشددة قصصا لا تنتهى فى خلف الوعد والحنث بالإتفاقات وخصوصا السياسية منها ، عملا بمبدأ أن الحرب خدعة ، وهو المبدا الذى يجعلهم يخسرون يوما بعد يوم الكثير من حلفاء السياسة .
قالت لى إحدى ثائرات التحرير : كنا معهم – تقصد أحد أشهر التيارات الدينية السياسية – نطالب بما إتفقت عليه كل الفصائل المصرية المعارضة ، ثم تركونا وعقدوا إتفاقا مع السلطة ورجعوا تحت قبة البرلمان يتهمونا بما كانت السلطة تتهمهم به فى يوم من الايام وكأنهم لم يستوعبوا الدرس ، أو إستوعبوه وقرروا الإنضمام للطرف الاقوى هذه المرة .
جـ - إذا أؤتمن خان
وفى النقطة السابقة شرح واف لهذه الجزئية .
وفى نهاية حديثى ، فإننى أقول أننى أملك مئات الأسباب ، بل ألاف الأسباب التى تدفعنى لكراهية الجماعات الدينية المتشددة ، وما أوردته هنا مجرد قطرة فى بحر ، ومساحة التعليقات مفتوحة لكل من لديه سبب أخر للكراهية ، أو سبب مخالف لحب هذه الجماعات